المسعودي

79

مروج الذهب ومعادن الجوهر

بنت النعمان وسعد بن أبي وقاص : وقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنذر إذا خرجت إلى بِيعَتِها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج ، مغشى بالخز والوشي ، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها ، وترجع إلى منزلها ، فلما هلك النعمان نكبها الزمان ، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة ، ولما وفد سعد ابن أبي وقاص القادسية أميراً عليها لما هزم الله الفرس وقتل رستم ، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود ، مترهبات تطلب صلته ، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد ، فقال : أفيكن حرقة ؟ قالت : ها أنا ذِه ، قال : أنت حرقة ؟ قالت : نعم ، فما تكرارك في استفهامي ؟ ثم قالت : إن الدنيا دار زوال ، ولا تدوم على حال ، تنتقل بأهلها انتقالا ، وتعقبهم بعد حال حالا ، كنا ملوك هذا المصر يُجبى لنا خراجه ، ويطيعنا أهله مدى المدة وزمان الدولة فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر ، فصدع عصانا وشتت شملنا ( 1 ) ، وكذلك الدهر يا سعد إنه ليس يأتي قوماً بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة ، ثم أنشأت تقول : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تاراتٍ بنا وتصرف فقال سعد : قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر إليها حيث يقول : إن للدهر صولة فاحذرَنها لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى مُعافىً فيردى ولقد كان آمناً مسرورا قال : فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن معديكرب ، وكان زوَّاراً لأبيها في الجاهلية ، فلما نظر إليها قال : أنت حرقة ؟ قالت :

--> ( 1 ) في نسخة : وشتت ملأنا .